تمثل رخصة النشاط التجاري الركيزة النظامية لممارسة أي نشاط داخل المملكة، ولا يمكن تصور قيام النشاط دونها. غير أن الواقع العملي يكشف عن حالات يتعذر فيها إصدار هذه الرخصة بسبب وضع العقار ذاته، الأمر الذي يثير إشكالات قانونية مهمة تتعلق بمدى تحقق المنفعة محل عقد الإيجار، وأثر ذلك على التزامات أطرافه، وبخاصة التزام المستأجر بسداد الأجرة. وما إذا كان يحق له طلب فسخ عقد الإيجار التجاري بسبب عدم استخراج رخصة المحل.
أولًا: العلاقة بين رخصة المحل والوضع النظامي للعقار:
لا تنفصل رخصة النشاط التجاري عن جاهزية الموقع من الناحية النظامية، إذ يشترط النظام عند إصدار الترخيص التجاري أن يكون الموقع مستوفيًا لعدد من المتطلبات الأساسية، من أبرزها:
* أن يكون المبنى مرخصًا نظاميًا (رخصة بناء أو شهادة إشغال)
* الحصول على موافقة الجهات المختصة بحسب نوع النشاط (مثل الدفاع المدني)
* الالتزام بالاشتراطات البلدية والفنية المتعلقة بالنشاط
وهذا يعني أن إصدار رخصة النشاط لا يعتمد على رغبة المستأجر وحده، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوضع العقار ذاته. وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى عدم استخراج رخصة المحل وبالتالي نشوء نزاع حول فسخ عقد الإيجار التجاري .
ثانيًا: متى يتعذر إصدار رخصة المحل بسبب العقار؟
في التطبيق العملي، تتعدد الحالات التي يتعذر فيها إصدار رخصة النشاط بسبب أسباب راجعة إلى العقار، من أبرزها:
* عدم توفر رخصة بناء أو شهادة إشغال للمبنى
* عدم استيفاء اشتراطات السلامة المعتمدة من الدفاع المدني
* عدم توافق استخدام الموقع مع النشاط المطلوب
* عدم مطابقة المساحة للاشتراطات المحددة للنشاط
* كون العقار غير مهيأ أو غير مصنف نظاميًا للنشاط المراد
وفي هذه الحالات، لا يكون التعذر ناتجًا عن تقصير المستأجر، وإنما عن خلل في جاهزية العين المؤجرة من الناحية النظامية. مما قد يترتب عليه عدم استخراج رخصة المحل ويمنح المستأجر الحق في المطالبة بـ فسخ عقد الإيجار التجاري
ثالثًا: الأثر القانوني لتعذر الترخيص:
الأصل في عقود الإيجار أن:
“الأجرة تقابل المنفعة”
فإذا تعذر على المستأجر ممارسة النشاط بشكل نظامي بسبب عدم استخراج رخصة المحل ، فإن المنفعة المقصودة من العقد تصبح غير متحققة على الوجه الذي تم التعاقد عليه. وبالتالي، فإن تعذر الترخيص لأسباب راجعة إلى العقار قد يُعد تعذرًا للمنفعة، وهو ما يفتح الباب لعدد من الآثار القانونية، من أبرزها:
* حق المستأجر في طلب فسخ عقد الإيجار
* إمكانية وقف استحقاق الأجرة من تاريخ تحقق التعذر
* حق المطالبة بالتعويض متى ثبت الضرر
رابعًا: هل يسقط الإيجار في جميع الحالات؟
لا يمكن الجزم بسقوط الأجرة في جميع الحالات، إذ يتوقف ذلك على طبيعة الانتفاع الفعلي بالعقار؛ فإذا كان المستأجر يمارس النشاط فعليًا، فقد ترى الجهة القضائية أن المنفعة قد تحققت جزئيًا، وبالتالي تستحق الأجرة – كليًا أو جزئيًا – بحسب ظروف الحالة.
أما إذا تعذر التشغيل نظامًا، كما في حالات:
* رفض إصدار الترخيص
* صدور إنذارات بالإغلاق
* أو عدم إمكانية استيفاء الاشتراطات النظامية
فإن ذلك يعزز القول بتعذر المنفعة، ويقوي موقف المستأجر في طلب فسخ عقد الإيجار التجاري بسبب عدم استخراج رخصة المحل أو وقف الأجرة.
خامسًا: ما الذي ينبغي على المستأجر التأكد منه قبل التعاقد؟
لتفادي هذه الإشكالات، يُنصح بما يلي:
* التحقق من وجود رخصة بناء أو شهادة إشغال سارية
* التأكد من أن النشاط مسموح به في الموقع
* مراجعة اشتراطات الدفاع المدني
* التحقق من مطابقة المساحة لاشتراطات النشاط
* طلب المستندات النظامية قبل توقيع العقد
فاتباع هذه الخطوات يقلل من احتمالية عدم استخراج رخصة المحل وما قد يترتب عليه لاحقًا من نزاعات متعلقة بـ فسخ عقد الإيجار التجاري.
رخصة المحل ليست إجراءً شكليًا، بل شرط جوهري لممارسة النشاط التجاري. كما أن توفر رخصة البناء أو شهادة الإشغال، و استيفاء اشتراطات السلامة، يعد من المتطلبات الأساسية لإصدار الترخيص.
وعليه، إذا تعذر إصدار رخصة النشاط بسبب وضع العقار أو عدم استيفائه للاشتراطات النظامية، وكان ذلك خارجًا عن إرادة المستأجر، فقد يشكل ذلك تعذرًا للمنفعة يجيز له فسخ عقد الإيجار التجاري، وقد يؤثر على استحقاق الأجرة بحسب ظروف كل حالة، خاصة في حالات عدم استخراج رخصة المحل لأسباب تتعلق بالعقار ذاته.
