في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح من السهل على أي شخص أن يعبر عن رأيه بضغطة زر، وأن يعلق على الأحداث والقرارات والأشخاص والمنشآت أمام آلاف أو ملايين المتابعين. ومع هذا الاتساع في مساحة النقد وحرية التعبير في السعودية
يثور سؤال مهم: هل كل ما يُقال تحت وصف «الرأي الشخصي» يعد محمياً نظاماً؟
الجواب: لا.
فالأنظمة السعودية تكفل حرية التعبير عن الرأي، لكنها في الوقت ذاته تضع حدوداً واضحة تحول دون تحول هذه الحرية إلى وسيلة للإساءة أو التشهير أو الإضرار بالآخرين.
ومن هنا تبرز أهمية معرفة الحد الفاصل بين النقد وحرية التعبير في السعودية
و النقد المشروع الذي يحميه النظام، وبين السلوك الذي قد يترتب عليه مسؤولية نظامية.
حرية التعبير حق مكفول نظاماً
أقرت أنظمة النقد وحرية التعبير في السعودية مبدأ حرية التعبير، وأتاحت للأفراد إبداء آرائهم ومناقشة القضايا العامة وإبداء الملاحظات والانتقادات.
فقد نصت المادة (9) من نظام المطبوعات والنشر على أن حرية التعبير عن الرأي مكفولة بمختلف وسائل النشر في نطاق الأحكام الشرعية والنظامية.
كما نصت المادة (39) من النظام الأساسي للحكم على أن وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير تلتزم بالكلمة الطيبة وأنظمة الدولة، ويحظر ما يسيء إلى كرامة الإنسان وحقوقه.
ويستفاد من ذلك أن الأصل هو إباحة التعبير عن الرأي، إلا أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تمارس في إطار من المسؤولية واحترام حقوق الآخرين في إطار النقد وحرية التعبير في السعودية
لماذا وضعت الأنظمة النقد وحرية التعبير في السعودية؟
الغاية من هذه الحدود ليست تقييد الآراء أو منع النقد، وإنما تحقيق التوازن بين حق الفرد في التعبير عن رأيه، وحق الآخرين في حماية سمعتهم وكرامتهم وحقوقهم.
فلو تُرك المجال لكل شخص لاتهام الآخرين أو الإساءة إليهم أو التشهير بهم تحت ستار «الرأي الشخصي»، لتحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات للإضرار بالناس بدلاً من كونها وسيلة للحوار وتبادل الأفكار.
ولهذا السبب حرص المنظم السعودي على حماية الحقين معاً: حرية التعبير من جهة، وحقوق الأفراد والمجتمع من جهة أخرى وهو ما يعكس تنظيم النقد وحرية التعبير في السعودية
متى يكون النقد مشروعاً؟
يكون النقد مشروعاً متى انصب على الفكرة أو القرار أو التصرف أو الخدمة أو المنتج، وكان الهدف منه إبداء الرأي أو بيان أوجه القصور أو المطالبة بالتصحيح.
ومن أمثلة النقد المشروع:
- انتقاد جودة خدمة أو منتج معين.
- الاعتراض على قرار أو سياسة أو إجراء.
- مناقشة أداء جهة أو منشأة بلغة مهنية وموضوعية.
- عرض الوقائع الصحيحة وإبداء الرأي بشأنها.
- المطالبة بتحسين الخدمات أو معالجة الأخطاء.
ففي هذه الحالات يكون الحديث موجهاً إلى الفعل أو الفكرة أو الأداء، وليس إلى كرامة الأشخاص أو سمعتهم يندرج ضمن مفهوم النقد وحرية التعبير في السعودية
متى يتحول النقد إلى مخالفة؟
قد يخرج النقد من نطاق الحماية النظامية عندما يتحول من مناقشة الأفكار والتصرفات إلى الاعتداء على الأشخاص ما يتجاوز حدود النقد وحرية التعبير في السعودية
ومن أبرز الصور التي قد يترتب عليها مسؤولية نظامية:
- السب أو الشتم أو السخرية الجارحة.
- الانتقاص من الأشخاص أو الحط من قدرهم.
- توجيه اتهامات دون دليل.
- نشر معلومات غير صحيحة تضر بالآخرين.
- التشهير بالأشخاص أو المنشآت.
- المساس بالحياة الخاصة.
- التحريض على الكراهية أو العنف أو التعصب.
ففي هذه الحالات لا يكون الأمر مجرد إبداء رأي أو نقد مشروع، بل قد يشكل تعدياً على حقوق الغير و يستوجب المساءلة.
ماذا عن عبارة «هذا رأيي الشخصي»؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن إضافة عبارة «هذا رأيي الشخصي» في نهاية التغريدة أو المنشور أو المقطع المرئي كفيلة بإعفاء صاحبها من المسؤولية.
والحقيقة أن العبرة نظاماً ليست بالوصف الذي يطلقه الشخص على حديثه، وإنما بمضمون المحتوى ذاته.
فإذا تضمن المحتوى إساءة أو تشهيراً أو مساساً بحقوق الآخرين أو سمعتهم، فإن وصفه بأنه «رأي شخصي» لا يمنع من مساءلة ناشره لأن ذلك يخرج عن نطاق النقد وحرية التعبير في السعودية
وبعبارة أخرى، فإن الرأي الشخصي لا يحول المخالفة إلى عمل مشروع، كما أن تسمية الشيء لا تغير من حقيقته النظامية.
موقف نظام الإعلام المرئي والمسموع
أكدت المادة (5) من نظام الإعلام المرئي والمسموع ضرورة التزام المحتوى الإعلامي بالضوابط النظامية والقيم المجتمعية، واحترام كرامة الإنسان، وعدم تضمين المحتوى ما يثير الكراهية أو التعصب أو الإساءة للآخرين بما يعزز مبادئ النقد وحرية التعبير في السعودية
ويعكس ذلك توجه المنظم نحو ترسيخ إعلام مسؤول يوازن بين حرية التعبير وبين حماية المجتمع والأفراد من الممارسات الضارة.
النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمسؤولية النظامية
يعتقد البعض أن المخالفات الإعلامية تقتصر على الصحف أو القنوات الإعلامية، إلا أن الواقع أن كثيراً من المحتوى المتداول اليوم ينشر عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وفي حال تضمن المحتوى تشهيراً أو إساءة أو إضراراً بالآخرين، فقد تنطبق أحكام نظام مكافحة جرائم المعلوماتية باعتبار أن ذلك لا يندرج ضمن النقد وحرية التعبير في السعودية.
وقد نصت المادة (3) من النظام على معاقبة من يشهر بالآخرين أو يلحق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات بعقوبات تصل إلى السجن أو الغرامة أو بهما معاً.
وهذا يؤكد أن المسؤولية لا ترتبط بكون الحساب شخصياً أو رسمياً، وإنما بطبيعة المحتوى المنشور وأثره.
الخاتمة
النقد حق مشروع، بل يعد من الوسائل المهمة لتطوير الأداء وتصحيح الأخطاء وإثراء النقاش العام.
إلا أن الأنظمة السعودية رسمت حدوداً واضحة بين النقد والإساءة، وبين التعبير المشروع والتشهير المحظور.
ولعل القاعدة الأهم التي ينبغي استحضارها قبل النشر هي:
انتقد الفعل ولا تهن الشخص.
وناقش الفكرة ولا تشهر بصاحبها.
فحرية التعبير حق كفله النظام، لكنها لا تعني حرية الإساءة إلى الآخرين أو المساس بكرامتهم وحقوقهم.
